الشيخ محمد رشيد رضا
423
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة منزل مبين فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ودخلوا منازلهم رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل هذه منازلكم لو عملتم بطاعة اللّه ، ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون . فيقتسم أهل الجنة منازلهم . وروي نحوه عن ابن شوذب في تفسير ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ) وروي مثله موقوفا ومرفوعا في تفسير ( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ ) أخرج سعيد بن منصور وابن ماجة ورواة التفسير المأثور الأربعة - أبناء جرير والمنذر وأبي حاتم ومردويه - والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه ( ص ) « ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله » فذلك قوله ( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ) والآية صريحة في كون الجنة تنال بالعمل وفي معناها آيات كثيرة بباء السببية بعضها بلفظ الإرث وبعضها بلفظ الدخول . وأما حديث أبي هريرة في الصحيحين « لن يدخل أحدا عمله الجنة - قالوا ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال - ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه بفضل ورحمة » وله تتمة وروي بلفظ آخر - فمعناه أن عمل الانسان مهما يكن عظيما لا يستحق به الجنة لذاته لولا رحمة اللّه وفضله إذ جعل هذا الجزاء العظيم - على هذا العمل القليل فدخول الجنة بالعمل دخول بفضل اللّه ورحمته ، ولذلك قال بعده « فسددوا وقاربوا » أي لا تبالغوا ولا تغلوا في دينكم ولا تتكلفوا من العمل ما لا تطيقون . وقيل معناه يدخلونها بفضله ويقتسمونها بأعمالهم * * * ( 43 ) وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ قالُوا نَعَمْ ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 44 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ( 45 ) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ، وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ( 46 ) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ